سيد محمد طنطاوي
308
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
بجانب النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بل فروا إلى الجبل أو إلى غيره عندما اضطربت الصفوف . ولقد حكى لنا التاريخ أن هناك جماعة من المسلمين ثبتت إلى جانب النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بدون وهن أو ضعف وقد أصيب ممن كان حوله أكثر من ثلاثين ، وكلهم يفتدى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بنفسه ويقول : وجهي لوجهك الفداء ونفسي لنفسك الفداء . وعليك السلام غير مودع « 1 » . ومعنى * ( اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ ) * طلب لهم الزلل والخطيئة ، أو حملهم عليها بوسوسته لهم : أن يخالفوا أمر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لهم بالثبات في مواقفهم التي عينها لهم ، فكانت مخالفتهم لرسولهم وقائدهم طاعة للشيطان . فحرمهم اللَّه تأييده وتقوية قلوبهم . قال الراغب : استزله إذا تحرى زلته ، وقوله - تعالى - * ( إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ) * أي استجرهم الشيطان حتى زلوا ، فإن الخطيئة الصغيرة إذا ترخص الإنسان فيها تصير مسهلة لسبيل الشيطان على نفسه ، والزلة في الأصل : استرسال الرجل من غير قصد » « 2 » . والمراد بالزلة هنا ما حدث منهم من مخالفة الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وقد ترتب عليها هزيمتهم . والمعنى : إن الذين تولوا منكم - يا معشر المؤمنين - عن القتال أو تركوا أماكنهم فلم يثبتوا فيها طلبا للغنيمة يوم التقيتم بالمشركين في معركة أحد * ( إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ ) * أي طلب منهم الزلل والمعصية ، ودعاهم إليها بمكر منه وكان ذلك * ( بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ) * أي بسبب بعض ما اكتسبوه من ذنوب ، لأن نفوسهم لم تتجه بكليتها إلى اللَّه فترتب على ذلك أن منعوا النصر والتأييد وقوة القلب والثبات . قال ابن القيم : « كانت أعمالهم جندا عليهم ازداد بها عدوهم قوة . فإن الأعمال جند للعبد وجند عليه ولا بد للعبد في كل وقت من سرية من نفسه تهزمه أو تنصره . فهو يمد عدوه بأعماله من حيث يظن أنه يقاتل بها ، ويبعث إليه سرية تغزوه مع عدوه من حيث يظن أنه يغزو عدوه . فأعمال العبد تسوقه قسرا إلى مقتضاها من الخير والشر والعبد لا يشعر أو يشعر ويتعامى . ففرار الإنسان من عدوه وهو يطيقه إنما هو بجند من عمله بعثه له الشيطان واستزله به » « 3 » . ثم أخبر - سبحانه - أنه قد عفا عن هؤلاء الزالين ، حتى تكون أمامهم الفرصة لتطهير
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 51 . ( 2 ) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 214 . ( 3 ) تفسير القاسمي : تفسير سورة آل عمران ص 1013 .